البغدادي
13
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
قال الأعلم : هذا من أقبح الضرورة « 1 » ، لأنّ الجازم أضعف من الجارّ ، وحرف الجرّ لا يضمر . وقد قيل : إنّه مرفوع حذفت لامه ضرورة ، واكتفي بالكسرة منها . وهذا أسهل في الضّرورة وأقرب . وقال النحّاس : سمعت عليّ بن سليمان ، يقول : سمعت محمد بن يزيد ينشد هذا البيت ، ويلحّن قائله ، وقال : أنشده الكوفيّون ، ولا يعرف قائله ، ولا يحتجّ به ، ولا يجوز مثله في شعر ولا غيره « 2 » ؛ لأنّ الجازم لا يضمر ؛ ولو جاز هذا ، لجاز يقم زيد ، بمعنى : ليقم . وحروف الجزم لا تضمر ، لأنها أضعف من حروف الخفض ، وحرف الخفض لا يضمر . فبعد أن حكى لنا أبو الحسن هذه الحكاية ، وجدت هذا البيت في كتاب سيبويه يقول فيه : وحدّثني أبو الخطّاب أنه سمع هذا البيت ممن قاله . قال أبو إسحاق الزجّاج احتجاجا لسيبويه : في هذا البيت حذف اللام ، أي : لتفد . قال : وإنّما سماه إضمارا ، لأنه بمنزلته . وأما قوله : « أو يبك من بكى » ، فهذا البيت لفصيح ، وليس هذا مثل الأوّل ، وإن كان سيبويه قد جمع بينهما . وذلك أنّ المعطوف يعطف على اللفظ وعلى المعنى ، فعطف الشاعر على المعنى ، لأنّ الأصل في الأمر أن يكون باللام ، فحذفت تخفيفا ، والأصل : فلتخمشي ، فلما اضطرّ الشاعر عطف على المعنى ، فكأنه قال : فلتخمشي ، ويبك ، فيكون « 3 » الثاني معطوفا على معنى الأول . والبعوضة : موضع بعينه قتل فيه رجال من قومه ، فحضّ على البكاء عليهم . وحذا ابن هشام في « المغني » هذا الحذو ، وقال : وهذا الذي منعه المبرد أجازه الكسائي في الكلام ، بشرط تقدّم قل ، وجعل منه « 4 » : « قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ » ، أي : ليقيموا .
--> ( 1 ) النص في شرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 335 - 336 . ( 2 ) ما ورد في شرح أبيات سيبويه للنحاس خلاف ، انظر ص 268 منه . ( 3 ) في النسخة الشنقيطية : " ويكون " . ( 4 ) سورة إبراهيم : 14 / 31 .